أحمد بن محمد ابن عربشاه

402

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

مزيد الإكرام والإنعام العام ، فسارعت المرأة إلى باب الأمير ، وقالت : قد سقطت على الخبير ، إن لي زوجا حكيما ، بتعبير المنامات عليما لكنه يتعزز وعن تعبيرها يتحرز ، فلا يفوه بالتعبير إلا بعد ضرب كثير ، وأنه ليس له في ذلك نظير ، فأرسل وراءه وأكرم لقاءه ، ثم قالت له : بعد إكرام أو صله ، ووعده بإنعام وصله ، رأيت مناما راعني ، وفي الحيرة والفكر أضاعنى ، فدع عنك الاحتشام وأخبرني عن ذلك المنام ، ثم عبره لي فقد أخبرت أنك حبيب لله ولىّ . فقال : يا مولانا الملك أنا في الجهل منهمك ، حائك فقير ليس لي من العلم نقير « 1 » ولقد كذب علىّ من نسب العلم إلىّ ، والعين تعرف العين أنا من أين ، وتعبير الرؤيا من أين ، فما صدقه ولا في كلامه استوثقه ، وصدق قول المرأة فيه ، وأمر بإيصاله ما ينكيه ، ثم طلب المقارع وشدوا منه الأكارع ، وضربوه ضربا أعسفه ، إلى أن كاد أن يتلفه ، فنادى : الأمان الأمان أمهلني ثلاثة أيام من الزمان ، فتركوه وأمهلوه وقيده أطلقوه ، فصار يدور في الخرائب ويتضرع تضرع النائب ، ففي ثالث الأيام ، وقد أيقن بحلول الحمام دخل إلى مكان خراب ، وأخذ في البكاء والانتحاب ، فنادته حية من الشقوق ما لك تنتحب يا ذا العقوق ؟ فأحبرها بحاله وما جرى عليه من نكاله ، فقالت : ما ذا تجعل لي من الإنعام إذا أخبرتك بما رآه الملك في المنام ، ثم فضضت عن تعبيره مسك الختام ، قال : أكون لك عبدا وصيفا ، وأعطيك مما أعطى نصيفا ، قالت : إن الملك رأى في منامه أن الجو يمطر من غمامه ، أسودا ونمورا وفهودا وببور ، وأن السماء في ذلك تمور وتعبير هذا المنام ، والله العلام : أنه يظهر في هذا العام للملك أعداء كواسر ، وحساد جواسر ، يقصدون هلكه ويريدون ملكه ، وسيطفئ نار كيدهم بمياه سيوفه ، ويسقيهم من رحيق فتوحه كاسات حتوفه ، فكشفت غمته .

--> ( 1 ) أي فقير جدا في هذا العلم .